فخر الدين الرازي

402

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

للمنافع لأنه قال : فيهما إثم ومنافع ، وكما أن المنافع أعداد كثيرة فكذا الإثم فصار التقدير كأنه قال : فيهما مضار كثيرة ومنافع كثيرة حجة الباقين أن المبالغة في تعظيم الذنب إنما تكون بالكبر لا بكونه كثيرا يدل عليه قوله تعالى : كَبائِرَ الْإِثْمِ * [ النجم : 32 ] ، كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ النساء : 31 ] ، إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [ النساء : 2 ] وأيضا القراء اتفقوا على قوله : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ بالباء المنقوطة من تحت ، وذلك يرجح ما قلناه . الحكم الرابع في الإنفاق اعلم أن هذا السؤال قد تقدم ذكره فأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد هاهنا فأجيب عنه بذكر الكمية ، قال القفال : قد يقول الرجل لآخر يسأله عن مذهب رجل وخلقه ما فلان هذا ؟ فيقول : هو رجل من مذهبه كذا ، ومن خلقه كذا إذا عرفت هذا فنقول : كان الناس لما رأوا اللّه ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على عظيم ثوابه ، سألوا عن مقدار ما كلفوا به ، هل هو كل المال أو بعضه ، فأعلمهم اللّه أن العفو مقبول ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه اللّه : أصل العفو في اللغة الزيادة ، قال تعالى : خُذِ الْعَفْوَ [ الأعراف : 199 ] أي الزيادة ، وقال أيضا : حَتَّى عَفَوْا [ الأعراف : 95 ] أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال القفال : العفو ما سهل وتيسر مما يكون فاضلا عن الكفاية يقال : خذ ما عفا لك ، أي ما تيسر ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعا إلى التيسر والتسهيل ، قال عليه الصلاة والسلام : « عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا ربع عشر أموالكم » معناه التخفيف بإسقاط زكاة الخيل والرقيق ، ويقال : أعفى فلان فلانا بحقه إذا أوصله إليه من غير إلحاح في المطالبة ، وهو راجع إلى التخفيف ويقال : أعطاه كذا عفوا صفوا ، إذا لم يكدر عليه بالأذى ، ويقال : خذ من الناس ما عفا لك أي ما تيسر ، ومنه قوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ [ الأعراف : 199 ] أي ما سهل لك من الناس ، ويقال للأرض السهلة : العفو وإذا كان العفو هو التيسير فالغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤنتهم فقول من قال : العفو هو الزيادة راجع إلى التفسير الذي ذكرناه وجملة التأويل أن اللّه تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ [ الإسراء : 26 ، 27 ] وقال : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [ الإسراء : 29 ] وقال : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [ الفرقان : 67 ] وقال صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا كان عند أحدكم شيء فليبدأ بنفسه ، ثم بمن يعول وهكذا وهكذا » و قال / عليه الصلاة والسلام : « خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف » و عن جابر بن عبد اللّه قال بينما نحن عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال : يا رسول اللّه خذها صدقة فو اللّه لا أملك غيرها ، فأعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ثم أتاه من بين يديه ، فقال : هاتها مغضبا فأخذها منه ، ثم حذفه بها حيث لو أصابته لأوجعته ، ثم قال : يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره ، ثم يجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها ، و عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه كان يحبس لأهله قوت